فولفغانغ أيشنغر يحذر من تآكل ثقة أوروبا في الولايات المتحدة وتأثيره على مستقبل الأمن الأوروبي
في تحليل نشره فولفغانغ أيشنغر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن ووزير الدولة للشؤون الخارجية الألماني سابقاً، عبر عن قلقه البالغ من تآكل الثقة بين أوروبا والولايات المتحدة التي طالما كانت شعاراً للأمن والدفاع المشترك عبر تحالف الناتو. أوضح أن الإدارة الأمريكية السابقة، لاسيما في عهد دونالد ترامب، قد غيّرت كثيرا المعطيات ما بين القارتين، إذ قلّلت واشنطن من أهمية أوكرانيا كجزء من مصالحها، وأبعدت الحلفاء الأوروبيين عن المفاوضات المركزية المتعلقة بالحروب الدولية. كما أشار أيشنغر إلى تجاهل واشنطن التنسيق مع الحلفاء أثناء انسحابها التدريجي من بعض قواعدها في أوروبا.
هذه الممارسات أسفرت عن تذبذب الثقة الأوروبية، فبدأت العواصم الأوروبية تنظر إلى الحاجة الملحة لتعزيز قدراتها العسكرية المستقلة، لمواجهة التهديدات، خصوصاً من روسيا، دون الاتكال الكامل على الدعم الأمريكي. وكان هذا التحول واضحاً خلال الأزمة الأوكرانية، حيث لعبت الدول الأوروبية دوراً أساسياً في سدّ الثغرات التي خلقها تقليص الدعم الأمريكي، خصوصاً خلال أوائل عهد الإدارة الأمريكية السابقة.
فضلاً عن ذلك، أظهر تصاعد الخلافات أن هناك استياءً كبيراً بين القادة الأوروبيين من تجاهل واشنطن لأي استشارات جادة قبل اتخاذ خطوات مهمة مثل الاستعداد للعمليات العسكرية ضد إيران. هذا الاستياء تجلى في عزوف بعض الدول الأوروبية عن استخدام قواعدها أو مجالها الجوي لتلك العمليات، مما يعكس المكتسب السياسي والعسكري الذي بدأ يكتسبه الاتحاد الأوروبي وحلفاؤه.
كما أشار التحليل إلى أن سلوك واشنطن أضر بصورة أمريكا لدى شعوب أوروبا. فقد أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن نحو ربع الأوروبيين يرون الولايات المتحدة كمنافس أو خصم، وهذه النسبة في تصاعد مستمر. هذه المؤشرات أكثر من مجرد أرقام، فهي بمثابة إنذار تحذيري بأن علاقة الشراكة بين أوروبا وأمريكا التي استمرت عقوداً معرضة للخطر إذا لم تتدارك الولايات المتحدة الموقف.
في النهاية، أيشنغر يؤكد أن أوروبا لم تعد مجرد متلقٍ للاستقرار الأمني المتأتي من أمريكا، بل صارت شريكاً استراتيجياً قوياً، وتطويرها لقدراتها العسكرية سيعزز من مكانتها على المسرح العالمي، إنما إضعاف الثقة مع واشنطن قد ينهي تحالفاً تاريخياً خدم مصالح الطرفين لأجيال عديدة.
