العراق بين اختبار مكافحة الفساد وشروط الشراكة الأمريكية
في تطورات مهمة ومثيرة في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، كشفت تقارير صحفية عن استئناف واشنطن لشحنات الدولار إلى العراق بعد فترة تعليق استمرت عدة أشهر، ضمن إجراءات ضغط أمريكية تستهدف وقف أنشطة فصائل مسلحة تحظى بدعم من إيران. جاء هذا القرار في ظل استمرار تعليق بعض أوجه التعاون الأمني والمالي الأخرى بين الجانبين، مما يبرز تعقيدات العلاقة ويثير تساؤلات حول مستقبل هذه الشراكة.
وفي قراءة عميقة لهذا المشهد، يؤكد أستاذ العلاقات الدولية الدكتور معتز النجم أن العراق يعيش لحظة تحول حقيقية، مع تبني حكومة علي الزيدي سياسة جديدة وحازمة في فتح ملف مكافحة الفساد، وهو ما لم تعهده الحكومات السابقة التي عجزت عن مواجهة هذا التحدي أو حتى مناقشته بجدية. وفق النجم، فإن نجاح هذه الخطوات مرتبط مباشرة بشروط أمريكية واضحة، حيث يلاحظ أن استئناف دعم الدولار مشروط بملاحقة الفساد ومعالجته بشكل جذري.
وتشهد الفترة الأخيرة توقيف عدد من المسؤولين، من بينهم وكيل وزير النفط وأعضاء في مجلس النواب من مكونات سياسية متعددة، رغم أن التركيز لا يزال على مكون سياسي بعينه، مما يثير جدلاً حول الشمولية الحقيقية لهذه الملاحقات. بالنسبة للشارع العراقي، هناك ترقب لما ستكشف عنه الاعترافات المرتقبة من المتهمين، والتي من المتوقع أن تستهدف شخصيات نفوذ كبيرة، وهو ما سيكون عاملاً حاسماً لنجاح أو فشل هذه السياسات.
ويرى النجم بأن استمرار وتوسيع هذه الإجراءات هو الشرط الأساسي للحفاظ على ثقة الشعب العراقي والولايت المتحدة على حد سواء، محذراً من أن توقف مكافحة الفساد عند حدود ضيقة قد يؤدي إلى فقدان هذه الثقة. ويُبرز الباحث المعادلة المعقدة بين الفساد والسلطة والسلاح في العراق، حيث تدمج هذه العوامل بعضها البعض وتساهم في استمرار نفوذ قوى معينة.
في هذا السياق، تعمل حكومة الزيدي على بناء شراكة استراتيجية جديدة مع واشنطن، بعيداً عن علاقات التبعية، بينما تراقب الولايات المتحدة عن كثب طبيعة علاقة بغداد مع إيران، خصوصاً في تعاملها مع الفصائل المسلحة، وهو محور حساس قد يحدد شكل ومستقبل التعاون بين البلدين.
ختاماً، بالرغم من أن العراق يملك القوة السياسية للدفع قدمًا في مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاحات، إلا أن نجاح المسار يتطلب دعمًا أميركيًا وسياسيًا كاملاً، إلى جانب تصميم عراقي على تنفيذ هذه الخطوات بفعالية وإصرار في مواجهة التحديات المتشابكة التي تواجهها البلاد.
