المناخ وتدفق مياه النيل.. هل تواجه مصر تحديات جفاف جديدة؟
تصاعدت التحذيرات الدولية بشأن اضطراب أنماط سقوط الأمطار في حوض نهر النيل، ما يثير تساؤلات كبيرة عن احتمالية تراجع إيراد النهر السنوي عن معدلاته المعتادة، وتأثير ذلك على الوضع المائي في مصر التي تعتمد اعتماداً شبه كامل على مياه النيل لتلبية احتياجاتها الزراعية والصناعية والسكانية. تتابع مصر عن كثب التدفقات المائية القادمة من منابع النيل وخصوصاً الهضبة الإثيوبية، في ظل استمرار الخلافات المتعلقة بسد النهضة، الملف الاستراتيجي الذي مازال يشكل محوراً للتوتر بين الدول المعنية في المنطقة.
أجرت وزارة الموارد المائية والري المصرية محاكاة لسيناريوهات الطوارئ لإدارة الموارد المائية خلال الموسم الحالي، مما يعكس جاهزية الدولة لمواجهة احتمالات مختلفة بدءاً من تراجع معدلات الأمطار وحتى ارتفاع استهلاك المياه محلياً. تأتي هذه الاستعدادات في ظل تحذيرات العلماء من أن التغيرات المناخية لم تعد مجرد توقعات بعيدة، بل أصبحت تؤثر فعلياً في دورات الجفاف والفيضانات على مستوى القارة الأفريقية.
توضح الدراسات أن منطقة حوض النيل ستكون من بين أكثر المناطق عرضة لتأثير التقلبات المناخية خلال العقود القادمة، وهنا تكمن الحاجة الملحة لتطوير آليات أكثر مرونة لإدارة المياه، وتعزيز التعاون الإقليمي بين دول الحوض للمواجهة المشتركة لتلك المخاطر. وفي هذا السياق، شدد خبراء على أن قراءة توقعات تدفق المياه لا يجب أن تقتصر على النماذج المناخية وحدها، وإنما تتطلب رصداً دقيقاً للأمطار الفعلية في منابع النيل مع نهاية الموسم المطري.
أكدت تصريحات الدكتور عباس شراقي على أهمية متابعة كمية الأمطار المتساقطة في المنابع، خصوصاً في الهضبة الإثيوبية التي تمثل المصدر الأكبر لمياه النيل، مشيراً إلى أن البيانات حتى الآن تبين أداء جيد في المنطقة الاستوائية، رغم وجود توقعات بحدوث معدلات أقل من المتوسط في إثيوبيا خلال الموسم الجاري. وشدد شراقي على أن المياه المحتجزة خلف السدود الإثيوبية في النهاية تدخل مجرى النهر، ولا تتحول لفقد دائم كما هو الحال في بعض موارد مصر.
مرت مصر عبر مراحل من الجفاف والوفرة، حيث كان السد العالي خط الدفاع الأساسي أثناء فترة الجفاف بين 1981 و1987، قبل أن يعوض فيضان 1988 تلك النقص، مما يبرز أهمية وجود بنى تحتية قوية لإدارة الموارد في مواجهة تقلبات الطبيعة. ومع زيادة تعداد السكان، تراجع نصيب الفرد من المياه بشكل حاد من أكثر من ألفي متر مكعب سنوياً في السبعينيات إلى قرابة 500 متر مكعب حالياً، مما يزيد الضغط على الموارد ويحتاج إلى خطط لإدارة الاستخدام والكفاءة.
يرى الخبراء أن التحدي لا يكمن في مواسم مطرية أقل من المتوسط فقط، بل في كيفية بناء سياسات مائية مرنة تستطيع التكيف مع التغيرات المناخية وكذلك التحديات السياسية والاقتصادية في المنطقة، للحفاظ على أمن مصر المائي وضمان استمراريته للأجيال القادمة في ظل بيئة إقليمية مضطربة ومتغيرة.
